الخطيب الشربيني

605

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء حينئذ يزول السؤال . فَقالَ لَها أي : السماء عقب الاستواء وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا أي : تعاليا وأقبلا منقادتين وقوله تعالى : طَوْعاً أَوْ كَرْهاً مصدران في موضع الحال أي : طائعتين أو كارهتين قالَتا أَتَيْنا أي : نحن وما فينا وما بيننا طائِعِينَ أي : أتينا على الطوع لا على الكره ، والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيئا من الخطاب والجواب ، ونحو ذلك قول القائل : قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني ، فإن قيل : هلا قال طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سماوات وأرضون ؟ أجيب : بأنه لما جعلهن مخاطبات ومجيبات ووصفهن بالطوع والكره قال : طائعين في موضع طائعات نحو قوله ساجدين . تنبيه : جمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان بل قد يكون القول لهما متعاقبا ، فإن قيل : إن الله تعالى أمر السماء والأرض فأطاعتا كما أن الله تعالى أنطق الجبال مع داود عليه السّلام فقال تعالى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [ سبأ : 10 ] وأنطق الأيدي والأرجل فقال تعالى : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور : 24 ] وقوله تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله تعالى في ذات السماوات والأرض حياة وعقلا ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما ؟ . ووجه هذا بوجوه ؛ الأول : أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه مانع وههنا لا مانع ، الثاني : أنه تعالى جمعها جمع العقلاء فقال تعالى : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ الثالث : قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها [ الأحزاب : 72 ] وهذا يدل على كونها عارفة بالله تعالى عالمة بتوجه تكليف الله تعالى ، وأجاب الرازي عن هذا : بأن المراد من قوله تعالى : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الاتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير ، فحال توجه هذا الأمر كانت السماوات والأرض معدومة إذ لو كانت موجودة لم يجز ، فثبت أن حال توجه هذا الأمر كانت السماوات والأرض معدومة وإذا كانت معدومة لم تكن عارفة ولا فاهمة للخطاب فلم يجز توجه الأمر إليها . فإن قيل : روى مجاهد وطاوس عن ابن عباس أنه قال : قال الله للسموات والأرض : أخرجا ما فيكما من المنافع لمصالح العباد أما أنت يا سماء فاطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونبأتك وقال لهما : افعلا ما أمرتكما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه ، وعلى هذا لا يكون المراد من قوله أَتَيْنا طائِعِينَ حدوثهما في ذاتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهر ما كان مودعا فيهما ؟ أجيب : بأن هذا لم يثبت لأنه تعالى قال : [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 12 إلى 16 ] فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 ) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 15 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 )